View high resolution
Helm Bookcase حلم
By kashidadesign.
فى الخمسين سنة الأخيرة، صار اسم صلاح الدين (بطل حطين) مشهوراً على كل لسان، خاصة بعدما قَدَّمَ المخرج يوسف شاهين فيلمه الكبير: الناصر صلاح الدين، فامتزج فى أذهان الناس الخيالُ السينمائى بالخبر التاريخى، وتوحَّدت فى أوهامهم صورتا صلاح الدين الأيوبى، والممثل أحمد مظهر (الذى كان فى مبتدأ أمره رجلاً عسكرياً، يعمل فى سلاح الفرسان المصرى) .
وقبل الفيلم السينمائى وبعده، كثر ذِكْرُ صلاح الدين. وحُشيت عقول الناس بأعمال أدبية وقصائد وكتابات، تنتحبُ على حال العرب وتنتظر مجئ صلاح الدين الجديد، فى صورة المُخَلِّصِ .. وهى صورة ذهنية عَشَّشَتْ فى أذهان أهل هذه المنطقة البائسة من العالم، منذ انتشار الديانة اليهودية التى تقوم أساساً على انتظار (مُخَلِّصٍ) يُعيد مجد الرب وسلطانه، لشعب الرب المختار الذين هم (اليهود) تحديداً، وما عداهم هـم الأُمم .
ولأن الخمسين سنة الأخيرة ، كانت زمن الحكام العرب (العسكر) فقد كان من المناسب للدعايات الحكومية، إذكاء سيرة صلاح الدين الأيوبى وإعلاء الأخبار الخاصة بموقعة حطين التى انتصر فيها على الصليبيين، واسترد منهم القدس ذات الأسماء الكثيرة: إيلياء ، أوروساليم، أُوروشليم، بيت المقدس، دار السلام .. مع أنها المدينة التى لم تعرف السلام طيلة تاريخها .
ولأن القدس صارت اليوم بيد اليهود، فالكل يحلم بالبطل صلاح الدين، وبعودة نصر (حطين) على أعداء الدين. وقد كان فى مصلحة الحكام العسكريين العرب المحدثين، أن تغرق شعوبهم فى هذا الحلم الذى تستغنى به الجماعة عن الواقع الكئيب، وتهرب إليه من سطوة الزمن الردئ.. وتنتظر، والانتظارُ صبرٌ .. والصبرُ مطلوبٌ ومندوبٌ إليه، ومناسبٌ جداً للجالسين على العروش .
والمسألة برمتها، ليست سوى مخايلة وخداع للناس. وإلا فكيف انطوى ذكر صلاح الدين وموقعة حطين عدة قرون، ثم طفر فجأة فى الخمسين سنة الأخيرة، المأزومة ؟ وكيف يمكن للوقائع التى سنذكرها، أن تتوافق فيها صورة (صلاح الدين، بطل حطين) مع صورة المُخَلِّصِ الذى تنتظره الشعوب العربية الحالية ؟
وبدايةً، لابد أن نشير إلى أن كثيراً من المصادر التاريخية العربية، قد ذكرت عديداً من فضائل صلاح الدين الشخصية. ولكنها ذكرت أيضاً ما يلى: كان صلاح الدين فى مبتدأ أمره قائداً عسكرياً للحاكم السنى السلطان نور الدين محمود فأرسله سيده إلى مصر لتحصين دمياط، وكانت مصر آنذاك تحت حكم العبيديين (دولة الشيعة الفاطمية) فما كان من صلاح الدين، إلا أن صار بعد شهور من مجيئه لمصر، فى الوقت ذاته: وزيراً لسلطان مصر الشيعى، وقائداً من قواد سلطان الشام السنى. وهو وضعٌ عجيب لم يتيسَّر لأى شخص آخر فى التاريخ، غيرُ صلاح الدين، نظراً للعداوة التاريخية بين أهل المذهبين ! ولطالما ثارت الخلافات فى المرات المعدودة، التى اتخذ فيها الخلفاءُ السنيون وزراءً من الشيعة ، فما بال الجمع بين منصبين كهذين ؟
وبدلاً من تحصين دمياط، أخذ صلاح الدين فى تثبيت أقاربه على كراسى الحكم، وبالغ فى منحهم الإقطاعيات. وقد حنق عليه السلطان السنى نور الدين لتقاعسه عن تحصين سواحل مصر، فجهز جيشاً لحرب صلاح الدين. لكنه مات فجأة، ليلة خروجه بجيشه من الشام إلى مصر، لعزل صلاح الدين! وهنا سنحت الفرصة الذهبية، فسار صلاح الدين بجيشٍ من مصر إلى دمشق ، وانتزع الحكم من ابن السلطان نور الدين. بعدما كان قد استولى على مصر من الفاطميين، ومحا أثرهم من البلاد .. بل أمعن فى محوه .
وأما حطين فقد كانت موقعة واحدة، من عشرات المواقع العسكرية التى خاضها (صلاح الدين) وكان تسعون بالمائة منها ضد حكام مسلمين لا صليبيين! وفى المواجهات العسكرية القليلة التى جرت مع الصليبيين، كان منها ما انهزم فيه صلاحالدين، ومنها ما انتصر. وحطين هذه ، التى انتزع معها صلاح الدين القدس بمعاهدة صلح ، لم يمتد أثرها إلا عشرين شهراً؛ إذ عاد بعدها الصليبيون وانتزعوا المدينة منه . والشئ الحقيقى الذى تركه (صلاح الدين) بطل (حطين) والمُخَلِّص (المنتظر) هو توزيعه للممالك على أبنائه وأقاربه ، الذين ظلوا يتقاتلون فيما بينهم لنصف قرن، حتى اهترأت البلاد، وصارت مرتعاً للمماليك الذين حكمونا من بعد الأيوبيين، وحَكَمَنا من بعدهم العثمانيون والعسكريون. وكلهم يحكمون ويتحكَّمون فى الناس بالسيف والعصا وصورة البطل العسكرى المخلص. ولعله من المناسب أن نختم هذا الكلام، بهذا النص الذى أورده ابن العماد الحنبلى :
سنة ستة وعشرين وستمائة ، فيها سلم الكامل القدس الشريف لملك الفرنج، بعد أن كاتبه الأنبرور ملكهم فى العام الماضى يقول: أنا عتيقك وتعلم أنى أكبر مغول الفرنج، وأنت كاتبتنى بالمجئ، وقد علم البابا والملوك باهتمامى، فإن رجعت خائباً انكسرت حرمتى، وهذه القدس هى أصل دين النصرانية، وأنتم قد خربتموها، وليس لها دخل طائل، فإن رأيت أن تنعم علىَّ بقبضة البلد ليرتفع رأسى بين الملوك، وأنا ألتزم بحمل دخلها لك. فلان له وسلَّمه إياها فى هذا العام، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ثم أتبع فعله هذا بحصار دمشق وأذية الرعية. وجرت بين عسكره وعسكر الناصر وقعات، وقتل جماعة فى غير سبيل الله، وأحرقت الخانات، ودام الحصار أشهراً(1).
عين جالـوت
وصلت إلينا الأخبارُ المشهورة عن موقعة عين جالوت، فى بعض مصادر التاريخ. وفى أكبر عمل دعائى لحاكم فى تاريخ مصر، وهو (السيرة الظاهرية) التى تَغنَّتْ بأمجاد الظاهر بيبرس. ثم طغت شهرة الواقعة، نظراً لاحتشادها فى المقررات الدراسية والأعمال الدرامية ، خاصةً خلال الخمسين سنة الأخيرة .. وأخبار عين جالوت ملخصها أن (الأبطال) قطز وبيبرس وبقية المماليك، استطاعوا صَدَّ الزحف المغولى الذى اجتاح العالم، فى القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) وإنه لولا وقوف مصر فى وجه هذا الزحف الرهيب، وما قامت به من هزيمة المغول (التتار) فى عين جالوت، لكان هؤلاء الهمج قد دمروا العالم، كله! .. هذا هو الخبر المشهور عن عين جالوت، وفيما يلى سوف نطبق قاعدة ابن خلدون: ينبغى أن نُعمل العقل فى الأخبار . فنقول والله المستعان :
إن الحقائق الفعلية (المستورة) المتعلِّقة بواقعة عين جالوت (المشهورة) أولها أن هذه الموقعة الحربية جرت بين المماليك، ومؤخِّرة الجيش المغولى وبقاياه بالشام، الذين كان عددهم ثمانية عشر ألف مقاتل . بعدما كان هولاكو قد عاد إلى بلاده، بجيشه الذى دخل به بغداد وخرَّبها (كان عدد الجيش مائة وعشرين ألف مقاتل) وقد اضطر هولاكو للعودة، بعدما قطع عليه الإمداداتِ ابنُ عمه الحاكمُ المغولىُّ، زعيمُ القبيلة الذهبية بركة خان عقاباً له على دخول بغداد، وتدميرها على هذا النحو المفجع، تلبيةً للسخائم التى كانت تملأ قلب هولاكو تجاه المسلمين، وكانت زوجة هولاكو المسيحية النسطورية طقزخاتون تؤجِّج فى قلب زوجها هذه الكراهية ، وتحدوه لتدمير بلاد المسلمين، ففعل ما فعله ببغداد، من الفظائع المعروفة. بل يقال إن عدد قتلاه من المسلمين، وصل فى الأربعين يوماً التى استباح فيها المدينة: مليون وثمانمائة ألف مسلم ! وكان ذلك ضد رغبة بركة خان ومخالفة صريحة لتحذيراته لهولاكو من دخول بغداد. وعاد هولاكو بجيشه إلى بلاده الأولى، ليجد ابن عمه قد أعد له جيشاً، فتقاتل الجيشان المغوليان، وانهزم هولاكو هناك .
ومن الوقائع التاريخية المستورة، أن عين جالوت لم تكن أول معركة ينتصر فيها المسلمون على بقايا جيش المغول بالشام. فقد انتصر أهل الإسلام عليهم قبلها، فى مواجهة محدودة هى موقعة (شقحب) التى كانت مقدمة للانتصار فى عين جالوت. ولم يكن المغول همجيين بالقدر الذى صورته الأخبار، وإلا فما تلك الحضارة الكبيرة التى أقاموها فى أواسط آسيا، فيما سوف يسمى لاحقاً بالدولة الإسلامية المغولية ! ولم يكن المماليك أبطالاً على النحو الذى صوَّرته مسلسلاتنا التلفزيونية، وإلا فما قتلهم لبعضهم عقب المعركة للاستيلاء على السلطة ؟ ولهذا الأمر تفصيل يطول، ملخصه أن اسم قطز ظهر لأول مرة، على مسرح الأحداث التاريخية، مرتبطاً بواقعة اغتيال المملوك الحاكم عز الدين أيبك. وارتبط اسم قطز فى الأذهان أيامها، بعبارته الشهيرة: الحكم لمن غلب. فلما انتهى المماليك من (مؤخِّرة) جيش المغول فى عين جالوت، استدرج قطزَ جماعةٌ من أصحابه المماليك، من بينهم صديقه اللدود بيبرس، وقتلوه غدراً. تقول مصادرنا التاريخية إن المماليك اجتمعوا بعد مقتل قطز، برئاسة (سنقر الأشقر) أكبر المماليك سناً، فقال لهم: مَنْ فعلها ؟ فتقدم بيبرس؛ إذ كان أكثرهم رعونةً، وقال: أنا ! فقال له سنقر الأشقر: اجلس مكانه ، فإنه قال: الحكم لمن غلب .
ثم صار الظاهر بيبرس سلطاناً على مصر، وبطلاً تتغنى به السيرة الظاهرية. ومن بعده صار غيره من المماليك حكاماً وأبطالاً، عملاً بالقاعدة التى صاغها قطز بقوله: الحكم لمن غلب. وكان هو أول من اكتوى بنارها! أما بيبرس فقد استمتع بحكم مصر، واكتسى بصورة البطل التى أضفتها عليه السيرة الظاهرية التى خالفت بالطبع الصورة الحقيقية لهذا (المغامر) الذى صار ملكاً لمصر .. ومن أراد معرفة الصورة الفعلية التى كان عليها بيبرس، فليراجع الفصل الذى كتبه ابن النفيس الذى كان طبيباً خاصاً لبيبرس، وكبيراً لأطباء مصر فى زمانه ، وهو ما يماثل الآن ما نسميه: وزير الصحة. ففى كتابه فاضل بن ناطق استعرض ابن النفيس (علاء الدين، على بن أبى الحرم القرشى، المتوفى 687 هجرية) الصفاتِ التى يجب أن يكون عليها الحاكم، فوصف بيبرس من دون أن يصرِّح باسمه، مبرِّراً كل عيوبه الجسمية والنفسية! ومع أننى قضيتُ قرابة العشرين عاماً من عمرى، فى دراسة ابن النفيس وتحقيق مؤلفاته المخطوطة، ومن ثم فإننى أحبُّه، وأقدِّر مكانته العلمية تقديراً كبيراً، إلا أننى موقنٌ بأن هذا (الفصل) التبريرى الفَجَّ، فى فاضل بن ناطق كان سقطةً كبيرةً من ابن النفيس، وعملاً شنيعاً لا يليق بقدره، ولا يتناسب مع عقليته الفذَّة؛ مهما كانت الدواعى أو الظروف التى أدَّت به إلى كتابة هذا الفصل الفَجِّ .. المهم، أن مصر المحروسة ظلت قروناً تحت حكم (الغالب) من المماليك، حتى جاء العثمانيون وغلبوهم ، فصار الحكم لهم لأربعة قرون تالية على المرحلة المملوكية من تاريخنا الباهر .
ولا أظن من جانبى، أن أحداً أضرَّ بهذا البلد المحروس، مثل قطز البطل، الذى وضع أصول (البلطجة) فى تاريخنا السياسى خلال القرون الثمانية الأخيرة ، وكان كما أسلفنا، هو أول من اكتوى بنارها. ولا عبرة عندى، بما يقوله مؤرخونا المعاصرون المساكين من أن هذه كانت طبيعة العصر؛ إذ أن طبيعة كل عصرٍ يضعها المعاصرون الذين يتصارعون كثيراً، ويعصرون الناس للوصول إلى الحكم .. الحكم لمن غلب ! لقد كانت تلك القاعدة هى الهدية الحقيقية التى قَدَّمها (البطل) قطز، لمصر والمصريين.
بَطَـل
ألقى صاحبى الجريدة جانباً، بعدما انتهى من قراءة مقالى، ونظر نحوى حانقاً . بعد لحظة صمتٍ علاه فيها الهمُّ، تنحنح مرتين، ثم قال ما معناه وملخصه: لماذا تريد نـزع البطولة عن أبطالنا ؟ إن رمسيس الثانى وصلاح الدين وقطز، هم أبطال هذه الأمة عبر تاريخها الطويل . فلماذا تشوِّش علينا صورتهم؟ .. ثم إننا نحتاج (البطل) فإن لم نجده بيننا انتظرناه، أو اخترعناه، أو التمسنا له ذكراً فى التاريخ . فلماذا تشوِّه فى أذهاننا، صفاء صورة الأبطال ؟
اعتقدتُ أولاً أن صاحبى يسأل، ثم اتضح لى أنه ينوح على نفسه وعلينا. فما كدتُ أجاوبه، حتى قاطعنى قائلاً ما معناه: سيظل أبطالنا أبطالاً مهما قيل فى حقهم، ومهما كانت (الأخبار) التى وردتنا عنهم غير منطقية، فالبطولة ذاتها غير منطقية ! البطلُ استثناءٌ بين الناس، نستدفئ بذكره فى ليالى الشتاء ، ونحلم بعودته فى أيام القهر، فنحتمل رداءة الزمان الذى نعيشه .
رحتُ أتأمَّل حال صاحبى وهو يحكى ما يحكيه، وقد أخذتنى الشفقة عليه، فالتزمت الصمت. كنتُ أثناء كلامه أفكِّر فى الآتى: تُرَى، هل (البطل) مشتقٌ من البطولة أم من البطلان ؟ وهل يرتبط نضج المجتمعات بقدرتها على التخلى عن وهم (البطل) الذى يأخذ صورة ذهنية تخالف الواقع، مهما كذَّبتها الوقائع ؟ إن المرحلة المسماة عند المشتغلين بعلم النفس (عبادة الأبطال) هى مرحلة مرتبطة بالمراهقة، فهل تعكف المجتمعات غير الناضجة على عبادة أبطالها، مثلما يفعل المراهقون؛ بدلاً من مواجهة واقعها والتعامل معه وتطويره؟ وإن كان لابد لنا من (أبطال) فى التاريخ ، فليكونوا الأبطال الحقيقيين. ففى موقعة قادش، كان الأبطال هم طلاب المدرسة العسكرية المصرية فى حلب، الذين أنقذوا رمسيس الثانى من حصار الحيثيين. وفى حطِّين وسيرة صلاح الدين، كان البطل الحقيقى هو السلطان نور الدين الذى أمضى حياته يدافع عن الأرض والعرض، ومات قبل خروجه على رأس جيشه؛ ليخلع صلاح الدين عقاباً له، لتقاعسه عن تحصين دمياط ومواجهة الصليبيين. وفى واقعة عين جالوت كان البطل هو العلاَّمة العز بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء، لأنه هو الذى تحدَّى سلطان المماليك الذين كانوا يحكمون مصر، وأصرَّ على بيعهم فى مزادٍ عَلَنىٍّ ليسدِّدوا للأمة، الثمن الذى تم شراؤهم به! وقد خَوَّفوه فما خاف، وهدَّدوه فما انهد عنهم، واعترضوا على فتواه القائلة بأنهم عبيدٌ آبقون، فما كان منه إلا أن أصرَّ على فتواه، وكتب لعلماء مصر أن المماليك لا يجوز الصلاة عليهم إذا ماتوا، ولا يجوز زواجهم وطلاقهم والتعامل الشرعى معهم ، لأنهم فى حكم: العبد الآبق .. وفى النهاية رضخ المماليك، وانعقد المزاد، وافتدى كل واحد منهم نفسه بمبلغ من المال، فكانت حصيلة ذلك اليوم المشهود، هى المبالغ التى تم بها تجهيز الحملة العسكرية التى انتصر فيها المصريون ، فى عين جالوت، على بقايا الجيش المغولى .. أقولُ باختصار: إن كان (البطل) شرطاً لوجودنا، فليس شرطاً أن يكون البطل عسكرياً .
FF Amman by Yanone
Usman Taha Quran calligrapher. An interview (Arabic).
عبارة تتكون من ثلاث كلمات استوقفتني حتى أنستني معرض «جيتكس» بكل ما فيه، وبكل ما يحمل من دلالات، وعدتُ بالذاكرة إلى أيام الشباب وبداية الجري مع كل مناسبة إلى لندن، العاصمة البريطانية التي لم تغرب عنها أضواء الجذب والإبهار، رغم أنها لا ترى الشمس كثيراً، وعلى الرغم من أن الشمس قد غربت منذ زمن بعيد عن الإمبراطورية العظمى التي كانت تحكم كل أطراف العالم و«أحشائه»، فالأيام التي أتحدث عنها هي نهايات السبعينات وبدايات الثمانينات، يوم كان يزور لندن في الصيف أكثر من نصف مليون عربي، وكان العرب ومازالوا هم القوة الشرائية الأولى، فلا هم «سياح» يحملون حقائب معلقة على ظهورهم، ولا هم من المتقاعدين الذين يحققون أمنية السفر للمرة الأولى والأخيرة في العمر، ولا يدفعون غير قيمة «السندويش» من أرخص محل، بل هم ـ أي العرب ـ الذين يذهبون بحقيبة سفر واحدة ويعودون بخمس غيرها، عدا ما يُرسل عبر الشحن الجوي، ولهذا كانوا صيداً سميناً يغني من جوع ويثري من كان يطلب الثراء من تجار المدينة الجاذبة، ولكن العرب المصطافين والمتعالجين ومعهم الدارسون لا يُجيدون اللغة الإنجليزية، وتم تدارك الأمر سريعاً، فقط «الأصحاب» كلمات الترحيب، ثم حفظوا الأرقام، وأصبحت «أهلاً وسهلاً» مسموعة عند أولئك الذين يقفون أمام الأبواب أو على الأكشاك في «شبرد بوش» وأسواق السبت والأحد، وبعض محال «أكسفورد» الصغيرة، ولكن شيئاً من الخوف شغل بال أصحاب المحال الكبيرة، فظهرت اتجاهات إجبارية في عاصمة بريطانيا وتم استقطاب من يتكلمون العربية من المقيمين والمقيمات من أبناء بعض الدول العربية اللاجئين بسبب ظروف بلادهم، وبدأت مرحلة تفاخر بمعرفة اللغة العربية تتصدّر واجهات المحال في كل المناطق المهمة، وبثلاث كلمات كانت تلك العبارة تستقبل الزبائن: «نحن نتحدث العربية». سبحان الله، سبحان مغيّر الأحوال من حال إلى حال، إنها هي العبارة نفسها والكلمات نفسها، تنتقل خلال عقدين أو يزيد قليلاً لتستقر هنا، هنا، ولتجعل واحداً «بائساً» مثلي يتوقف وسط تدافع الناس ليشاهدوا أحدث ما تفتقت عنه عبقرية المعارض والتكنولوجيا الرقمية، ويتلفّت، يبحث عن منقذ يقول له إن خطأ قد وقع، حتى لا تتبع الدمعة تلك الزفرة الحارقة التي خرجت من أعماق الأعماق.
-محمد يوسف